حسن الأمين
331
مستدركات أعيان الشيعة
العربية وآدابها هناك في ذلك العصر أواسط القرن السادس الهجري ، إذ كانت عودته إلى دمشق سنة 533 . ويقول ابن عساكر عن أبهر : ( هي مدينة عظيمة مشهورة تقع بين المدن الثلاث : قزوين وزنجان وهمذان ) . ثم كنا نجتاز بساتين بلدة ( خرم درة ) ، ثم البلدة نفسها بين منازل حديثة على جانبي الطريق . وهذه المنطقة التي نجتازها الآن هي أكبر مصادر لحوم البقر والدجاج والحليب في إيران . وظللنا بعد ( خرم درة ) بين البساتين والزروع حتى بلغنا قرية ( القلعة الحسينية ) ، وكانت على يسارنا من بعيد مدينة ( هيدج ) مغمورة بالبساتين ، وظللنا بين الزروع والبساتين حتى قرية ( نصيرآباد ) ثم قرية ( صائن قلعة ) ويقول المستوفي أن اسمها ( فهود ) وأن المغول سموها ( صائن ) ، وأنه يقال لها أيضا ( باتوخان ) ( 1 ) السهول الزراعية لا تنقضي ، وصرنا نرى فيها هنا أحيانا قطعان الماعز والغنم حتى قرية ( سقا ) المحاطة بالبساتين وصارت السهول بعد ذلك تتخللها الدساكر أحيانا حتى قرية ( عميدآباد ) . لقد أنستنا هذه السهول الخضراء وتلك البساتين الشجراء ما كنا نقصده وهو مدينة ( السلطانية ) عاصمة الإمبراطورية الايلخانية ، وشغلنا ما نبصره من نضارة الأرض أمامنا ويناعة الدنيا حولنا عن التفكير فيما نحن سائرون اليه حتى لمحنا فجاة إلى يسارنا من بعيد القبة الشامخة ترتفع إلى أعلى ما يمكن أن ترتفع إليه القباب ، فانتقلنا بالذهن حالا من الحاضر الداني إلى الماضي القاصي . انتقلنا إلى أولجايتو محمد خدا بنده أحد أشهر أباطرة المغول الايلخانيين وصاحب مدينة ( السلطانية ) ومثبت بنيانها ورافع أركانها . وكان قد صار بيننا وبين السلطانية مسافة ثمانية كيلو مترات ، ولكن هذه المسافة لا تمضي مستقيمة بل أنها بعد أن تستقيم تعود فتنحرف إلى اليسار لتصل إلى الغاية المقصودة ، وهكذا بعد أن وازينا السلطانية ورأيناها ، أو بالأحرى رأينا قبتها العالية من بعيد عدنا فخلفناها وراءنا حتى بلغنا مفترق الطريقين : طريقنا الدولي الذي نسير فيه ، والطريق الفرعي الموصل إلى السلطانية ، فانحرفنا إلى الثاني سائرين فيه إليها في سهل زراعي مديد ترعى فيه قطعان البقر ، ثم كنا في السلطانية . . . وإذا كانت السلطانية فيما تقدم من العصور العاصمة التي كان يحكم منها شطر كبير من العالم وكانت قاعدة الإمبراطورية المغولية الايلخانية ، فلا تحسب أنك ترى من هذا الوصف شيئا فيها اليوم ، لا بمعنى أنها ليست عاصمة ، وأنها ليست مقرا للإمبراطور . بل بمعنى آخر : هو أنها لم تعد ذات الدور القوراء ، والقصور المتعالية ، ولا ذات الشوارع الرحبة والباحات الواسعة ، ولا ذات مئات الألوف من السكان ، وعشرات الألوف من العساكر . إنها اليوم قرية بسيطة تتكون من بيوت طينية خابية واطئة لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نفس . وبعد ما كان يحكمها ( إمبراطور ) ، عاد يحكمها اليوم من يعرف في العراق وسورية بلقب ( مدير ناحية ) . والناحية هي أصغر وحدة إدارية تتبعها عدة قرى ، وهي ما يعرف في إيران باسم ( بخشداري ) . وإذا كانت القرية قد لفتت نظرنا في شيء فهو : المقايسة بين الحاضر والماضي ، وإلا فليس فيها ما يلفت النظر ، اللهم إلا ما بقي من ذاك الماضي مما يدل على عظمته وروعته ، وهو ما نفضل أن نطلق عليه اسم ( قبة خدا بنده ) لا اسما آخر . . . . وتفضيلنا هذا الاسم كان لأن الناس اختلفوا في حقيقة ما تحت القبة : فبعضهم زعم بان البناء أقيم في الأصل لينقل إليه ( خدا بنده ) رفات علي ع من النجف الأشرف ، فيجعل قبره في عاصمته ، ولكن العلامة الحلي الحسن بن المطهر منعه من ذلك وأصر على منعه فامتثل لهذا المنع . وبعض قال : إن فيها قبر خدا بنده نفسه . ونحن هنا إذا كنا ننفي الافتراض الأول استنتاجا لا استنادا إلى نص ، وإذا كنا لا نأخذ بالقول الثاني ، بالاستنتاج أيضا لأنه من غير المتصور أن يبني أحد لأحد بعد موته مثل هذا الضريح المتناهي في الفخامة إذا كان القائلون بهذا الرأي يرون أن البناء أقيم على قبر خدا بنده بعد موته . كذلك من غير المتصور أن يبنى أحد لنفسه مثل هذا القبر في حياته انتظارا للموت الذي لا بد منه . . . هذا فضلا عن أنه لم يظهر أثر لأي قبر داخل البناء ، كما أخبرنا بذلك مدير الناحية الذي صحبنا في جولتنا . ويبقى الافتراض الثالث وحده هو القائم بالرغم مما يعترضه هو الآخر من فجوات . . . ونحن هنا سنصف ما رأينا ، ثم نترك للقارئ أن يستنتج ما يشاء : هو بناء عال فوقه قبة يبلغ ارتفاعه في الداخل من الأرض إلى نهاية جوف القبة 56 مترا ، وهو مدور ذو ثمانية أضلاع يبلغ طول قطره 26 مترا ، وعرض كل جدار من جدرانه سبعة أمتار وأربعين سنتمتر ، ويبلغ قطر القبة مترين وعشرة سنتيمترات . وحول البناء بقايا متهدمة بينها بقايا سور محكم بقي قليل من قواعده ، وتحوط البناء اليوم البيوت القروية ، وتفصله في الجانب الغربي عن البيوت بقايا حديقة حديثة ، أما في الجانب الشرقي فهو متصل بالبيوت ، والجدران في الداخل متاكلة ذهبت نقوشها الا بقايا تدل عليها .
--> ( 1 ) باتوخان : هو حفيد جنكيز .